متلازمة استكهولم وحمى البحث عن البديل

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9resize
خطاب مفتوح للبرلمانات الدولية وخصوصاً البرلمان الأوربي وللمنظمات الحقوقية
مارس 15, 2016
10-stockholm-syndrome-bank
محمد صلاح – متلازمة استكهولم وحمى البحث عن البديل
أبريل 10, 2016

متلازمة استكهولم وحمى البحث عن البديل

محمد صلاح حسين رئيس المكتب الاعلامي في المجلس الثوري المصري

متلازمة استكهولم وحمى البحث عن البديل

في شهر آب/ أغسطس من العام 1974 قام مجموعة من اللصوص بالسطو على بنك كريديت بانكين في مدينة استكهولم بالسويد، وقامت باحتجاز بعض موظفي البنك كرهائن لمدة ستة أيام. وخلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيا مع الجناة، بل قاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم. التقط علماء علم النفس هذه الحالة وقاموا بدراستها وأطلقوا عليها اسم “متلازمة استكهولم”.

وقد عرف علماء علم النفس متلازمة استكهولم على أنها ظاهرة نفسية تصيب الفرد أو المجموعة عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، وفيها يظهر على الضحية بعض علامات الولاء للجاني، فمثل أن يتعاطف المخطوف مع المُختَطف أو قد يحاول المتلازم أن يجد مبررا لما فعله الجاني من جريمة ومن ثم يحاول تقديم بعض النصائح له، وربما يساعده على الهروب بجريمته.

وقد تتطور حالة المتلازمة إلى الولاء المطلق للجاني والتي قد تصل إلى معاداة الشرطة والعدالة. وتفسير هذا أن المتلازم وصل إلى مرحلة اليأس من الانتصار على الجاني، لذا فقد قام بتحويل جام غضبه إلى المجني عليه.

وبانعكاس هذه الحالة على الصعيد السياسي للحالة المصرية، فتجد المتلازم وهو يعتبر نفسه من ضحايا الانقلاب أو المناهضين له؛ ترك تركيزه على المجرم الحقيقي، وهو الانقلاب وأذنابه، وركز سهامه على الضحايا الآخرين. فمنهم من يركز سهامه على الرئيس الدكتور مرسى باعتبار أنه الضحية التي من الممكن أن يتم الجور عليها، غير مدركين أن الضحية الحقيقة هي تلك الشرعية أو حق اختيار الشعب والتي يريدون ضربها في مقتل، وقد حذر د. مرسي غير مرة من التفريط فيها أو التنازل عنها. وتختلف هنا هلاوس المتلازم حسب مكانه، فقد يكون المتلازم استكهولمي نخبوى أو استكهولمى شعبوي.

وبمراقبة التصرفات السياسية للاستكهولمي النخبوي من خلال الأحاديث والمقالات، بل والمبادرات لبعض من هؤلاء والمحسوبين على المعسكر المعادي للانقلاب، تجد أن عددا منهم بدأ يعانى من متلازمة استكهولم بمحاولة تقديم حلول قد تضمن بصورة أو بأخرى مخرج آمن للعسكر والدولة العميقة، وذلك باختزال المشكلة في شخص السيسي والدائرة الضيقة ممن حوله. ليس هذا فحسب بل أنهم لا يفوتون الفرصة في مهاجمة المجنى عليها أو الضحية الحقيقية في حالتنا ألا وهي شرعية اختيار الشعب للدكتور مرسي.

فتجد لدى هؤلاء هلاوس المتلازمة تتصاعد من آن لآخر، بوثائق تنادي بشرعية متجددة وأخرى بإعادة التموضع الثوري، وهي حالة متطورة من التعاطف غير المباشر مع الجاني أو المجرم. وقد تتطور إلى “الحمى” عند البعض، والتى من أعراضها محاولات البحث عن البديل للرئيس الشرعي المختطف. نلاحظ ذلك من خلال بعض الأصوات التي تنادي بالبحث عن البديل لجنرال الانقلاب السيسي، والتي تارة تطرح خيارات بأسماء صريحة و تارة أخرى بمشروع فريق رئاسي؟!

والغريب أن بعض من هؤلاء ما زالوا يزايدون على الثورة والثوار بمشاركتهم سلفا في ثورة 25 يناير. ورغم أنها مشاركة مقدرة، ولكنهم هؤلاء لا يريدون أن يدركوا أنهم كانوا مسؤولين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بدعوتهم لسهرة 30 حزيران/ يونيو أو بتخليهم عن الرئيس المنتخب في أحلك الظروف، وهو ما يخصم من رصيدهم السياسي والثوري الذي يزايدون به.

لذا وجب عليهم أن يدركوا أنهم يتحملون جزءا غير قليل مما وصلنا إليه الآن من التردي السياسي والاقتصادى، فضلا عن التردي الحقوقي المتمثل فى جرائم الانقلاب. وبدلا من أن يعتذروا للشعب المصرى وللثوار عن فساد رؤيتهم، والتي تمثلت في دعواهم إلى سهرة 30 حزيران/ يونيو، راحوا يصبون جام غضبهم على شرعية الرئيس المختطف!

والأغرب من هذا وذاك أن هؤلاء، أيا كانت انتماءاتهم السياسية أو الحزبية، فإنهم لا يتفقون مع القوى الغربية والصهيونية إلا في شيء واحد، وهو عدم عودة الرئيس د. مرسى! والسؤال الذى أود أن أطرحه قبل أن يذهب الاستكهولمي النخبوي في سباته مرة أخرى: كيف نبحث عن البديل ولدينا الأصل متمثلا في الرئيس المنتخب؟!

وهناك حالة متقدمة من المتلازمة والتي قد توصف “بما فوق الحمى” تؤدى إلى عدم الاتزان السياسي، فيذهب “الاستكهولمي النخبوي” في سبات عميق في غيبوبة الحمى، وما أن يستفيق من غيبوبته فيطرح علينا طرحا دستوريا تناقض فيه كل كلمة أختها، ويتحدى أبسط قواعد المنطق الدستوري والتحليل القانوني. فمثلا يطالب الرئيس الذى كان ينكره في استفاقته السابقة بأن يستخدم حقه الدستوري في الدعوة إلى الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو القادم، باعتبار أن الرئيس مدته الرئاسية الأولى قد أوشكت على الانتهاء.

وهو بهذا يحاول أن يقنع وعينا أن الرئيس د. مرسى كان يحكم طوال الثلاث سنوات السابقة، وأنه لا بد عليه الآن بالدعوة إلى الانتخابات الرئاسية وفقا لدستور 2012. يطرح هذا وهو يدرك ونحن ندرك – بل والجميع يدرك – أن الرئيس د. مرسي في محبسه مقيد الحرية، وهو ما يتنافى مع أبسط القواعد القانونية لاتخاذ القرار!

أما التطور غير المتوقع لهذه الحالة المتلازمية والتي قد يعجز علماء علم النفس السياسي عن توصيفها، هو أن بعض ممن أصابتهم متلازمة استكهولم وتدهورت الحالة لديهم إلى أبعد من مستوى الحمى؛ يطالبون بمحاكمة المجني عليه والمتمثل في شخص الرئيس المنتخب، لكونه أجرم وسمح بوقوع الانقلاب! الغريب أن المصابين بهذه الحالة المتقدمة من حمى المتلازمة يرددون هذا بالرغم من أنهم يدركون يقينا أن العسكر لم يقوموا بانقلابهم إلا بعدما أفشل الرئيس مرسى وفريقه الرئاسي كل خطط المؤامرة الانقلابية على مدى عام، ما أوصل العسكر إلى مرحلة اليأس فاضطروا بعدها للإفصاح عن وجوههم القبيحة بانقلابهم المجرم أمام الشعب الذي كان يقدرهم ويحترمهم.

والسؤال هنا: هل لو كان أي متلازم استكهولمي نخبوي في مكان الرئيس الشرعي د. مرسي هل كان يستطيع أن يصمد أو يتمسك بشرعية اختيار الشعب مضحيا بحياته في سبيل حرية هذا الاختيار؟!

إن التاريخ سيتوقف طويلا أمام هذا الصمود والتمسك بالمبادئ من أجل حرية وكرامة مصر والذي يتمثل بصورة جلية في صمود أهالى الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقلين، وفي مقدمتهم الرئيس مرسي، فضلا عن إصرار ثوار الداخل والخارج على طريقهم الثوري برغم كل الدماء والمعاناة، حتى تتحرر مصر من حكم العسكر.

وعلى الجانب الآخر، نجد المتلازم الاستكهولمي الشعبوي، فهو نوع غير قادر على استيعاب الواقع أو قراءة المستقبل، وقد توقف الزمن لديه عند مجموعة من المصطلحات، ما أن يستفيق من غيبوبة المتلازمة، حتى تجده يكرر هذه المصطلحات بترتيبات مختلفة وهمهمات تبدوا غير مفهمة أحيانا مثل (الإخوان باعونا في محمد محمود… فندق فيرمونت… أخونة الدولة.. الاستحواذ على السلطة.. ركبوا الثورة.. سوريا والعراق.. الإعلان الدستوري.. النائب العام…) وغيرها من المصطلحات التي من الصعب أن تجد أحدا عاقلا من الممكن أن يتذكرها بعد 3 سنوات من الانقلاب ووضوح الرؤية والمؤامرة، فضلا عن شلالات الدماء في مجازر رابعة وأخواتها.

وعلينا أن نحذر من هؤلاء المتلازمين، والذين قد يصنف بعضهم في عِداد السحرة؛ لأنهم ما زالوا يرون في أنفسهم المقدرة على إعادة تخطيط المشهد الثوري، بل ويسعون إلى تحويله إلى حالة من المعارضة المستأنسة، هذا فضلا عن إدعائهم بامتلاك نصيب في رؤية مستقبلية لمصر بعدما أفسدت رؤيتهم حاضرها.

والله نسأل أن يتخلص الاستكهولمي، سواء كان نخبويا أو شعبويا، من حمى المتلازمة وهلوساتها، وأن يحدد بالعقل والمنطق والحق من هم الجناة والمجرمون الذين يجب أن يقتص منهم، ومن هم الضحايا أصحاب الحق الذين يجب أن تسترد حقوقهم كاملة دون نقصان أو تفريط. 

إن هدف المجلس الثوري المصري ليس فقط إسقاط الانقلاب واستعادة الشرعية المتمثلة في أول رئيس مدني منتخب (د.محمد مرسي)، ولكن إرساء مبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة التي تهدف إلى وصول الشعب إلى مرحلة النضج السياسي الكامل، لذا فإن تفكيك الدولة العميقة والتي تمثل العمود الفقري الذى يرتكز عليه الانقلاب؛ يعتبر هو الهدف الأهم والأسمى بعد إسقاط الانقلاب إن شاء الله. 

إن تلك الدولة العميقة، بشكليها المدني والعسكري والتي تشبه سيطرة دولة الكنيسة في العصور الأوروبية الوسطى، يجب ألا تفرض رؤيتها على اختيارات أو قرارت أو طموحات الثوار. إننا لا نريد أن نبني دولة على قواعد هشة تقلبها رياح الانقلابات وقتما تشاء. 

لقد دُفعت، وعلى مدى عقود، أغلى الأثمان من دماء وأرواح أطهر الشباب لكي تتحرر مصر من حكم تلك الدولة العميقة، وللتكريس لمبادئ الحكم الديمقراطي. وهذا ما يجعل تفكيكها هو أهم أهداف وركائز ثورتنا الحقيقة، بل وطموحها الذى نصبوا إليها.

إن الثورة في مفهومنا هي الثورة على قيود وقواعد تلك الدولة العميقة والعقيمة التي بنيت لعقود على أُسس من جهل وتسطيح العلم والجوع والفشل والمرض الذي أصاب كل طبقات الشعب، وساعد على هذا أساليب التعليم البائسة والإعلام الفاسد. لذا فإن رؤيتنا التي تبدأ باستعادة الشرعية واستعادة حق الشعب في اختياراته؛ ما هي إلا اللبنة الأولى لإصلاح مصر الغد، ولبناء مصر المستقبل التي نحلم بها ونتمناها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *