2014-635525074745471334-547
نسلط بعض الضوء على ما يحدث في سيناء
يناير 31, 2017
logo-erc_1
أدوات ومراحل تحقيق الرؤية
فبراير 4, 2017

مصر تلقي بنفسها في المجهول

pxp410

لقد نشر صندوق النقد الدولي في السابع عشر من يناير/كانون الثاني 2017 نص الاتفاق الذي توصل إليه مع مصر في أغسطس الماضي، وسط مناخ عام من اللامبالاة. حيث نشرت جريدة الأهرام اليومية الرسمية بالكاد بيانًا صغيرًا حول الاتفاقية، بينما لم تُعرها الصحافة العالمية أي اهتمام تقريبًا، واكتفت الصحافة الخليجية ببضعة مقالات لا تُذكر. بيد أن الوثائق الخاصة بـ“مذكرة التفاهم حول السياسات الاقتصادية والمالية” كافية للاطلاع على تفاصيل الاتفاق: يقرض صندوق النقد الدولي مصر أكثر من 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، تسدَّد على ست دفعات، على أن تلتزم مصر بالقيام بإصلاحات عميقة في مجال سعر الصرف والسياسات النقدية والمالية والاجتماعية وتلك الخاصة ببيئة الأعمال. ويمكن لصندوق النقد الدولي أن يمتنع عن تسليم مصر باقي الدفعات إن أخفقت في تحقيق تلك الشروط، كما حدث مع أوكرانيا في عام 2016.

يبدو النظام العسكري في سياسته الاقتصادية عازماً من الآن فصاعداً على استخدام نفس القسوة التي صمَّم بها على استئصال شأفة الإخوان المسلمين من الحياة السياسية. وفي حين كان حسني مبارك يتبنى أنصاف الحلول وينتهج سياسة الاحتواء، يسعى الرئيس الحالي الى فرض إرادته. “نحن نصوِّب مسار الاقتصاد المصرى عن طريق اتخاذ اجراءات تضع أساسًا حقيقيًا لبناء الدولة التى نريدها خلال السنوات القادمة”. هذا هو ما صرح به عبد الفتاح السيسي في لقائه مع رؤساء تحرير ثلاث صحف قومية، مضيفًا: “لو كنا استمرينا على نفس الوضع لمدة عام أو في اثنين لأصبح الموقف أكثر حدة”1

انهيار الجنيه المصري

أدى قرار تحرير سعر الصرف، والذي تمَّ بجرة قلم في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلى انخفاض سعر الجنيه بنسبة 100%، بحيث صار الدولار، بين عشية وضحاها، يساوي 18 جنيهًا مصريًا، بعد أن كان يساوي 8،8 جنيهًا. “لقد انخفضت قيمة الجنيه أكثر بقليل مما توقعنا بعد تعويم سعر الصرف”. هذا ما صرح به الاقتصادي البريطاني كريس جارفيس، رئيس بعثة صندوق النقد الدولى إلى مصر، بعبارات متوارية كعهده، فهو من كان يكتب خطابات دومينيك شتراوس-كان، وقت أن كان هذا الأخير المدير العام لصندوق النقد الدولي.

في انتظار الإجراءات التصحيحية المُرتقبة، من المفترض أن يتلقى البنك المركزي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعدد من المؤسسات متعددة الأطراف قروضًا بقيمة 12 مليار دولار خلال العام الجاري. وممّا يعد مؤشرًا على الأزمة الحالية، لم تساهم الولايات المتحدة الأمريكية، أو أي من أنظمة الخليج الملكية (باستثناء الإمارات العربية المتحدة) في ذلك القرض، بخلاف العواصم الأوروبية الكبرى. ولكن إذا كانت حصيلة الاحتياطي النقدي الأجنبي التي جمعها البنك المركزي، أو في طريقه إلى جمعها، تمنح سوق الصرف الأجنبي “الجديد” قبلة الحياة وتوفّر الحماية للجنيه المصري، فإن الحصول على باقي دفعات القرض في العامين القادمين ليس بالأمر المؤكد، بل هو رهن بمدى احترام الحكومة المصرية للالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، بما يُمَكِّنها من الحصول على القرض كاملاً، دون إغفال الوضع الأمني في المنطقة بالطبع.

أما المستهلك المصري، فقد تحمل بالكامل كلفة الخسائر التي نتجت عن انهيار عملته الوطنية. تشير آخر إحصائية نشرت في ديسمبر/كانون الأول 2016 إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بنسبة تقارب الـ 30%، ولا يتوقع خبراء صندوق النقد الدولي انخفاض معدلات التضخم قبل النصف الثاني من العام الحالي. وبالرغم من رفع الدولة لقيمة المساعدات المالية المخصصة للفقراء والمعاقين المسجَّلين رسميًا لديها، إلا أن هناك أكثر من 20 مليون مواطن، أي 35% من السكان – هي نسبة الفقر في مصر كما تقول هبة الليثي2 – اضطروا إلى مواجهة موجة الغلاء وحدهم، دون أي تدخل حكومي لإنقاذهم، اللهم إلا إجراء رمزيّ لصالح الفئة القليلة التي تخضع للضرائب على الدخل. كما لم يكن من المنتظر أن تشهد صناعة الدواء ارتفاعًا في الأسعار، حيث كانت الأدوية تخضع للتسعير. إلا أن وزير الصحة اتخذ قرارًا برفع سعر الدواء بنسبة 50% في المتوسط، خاضعاً بذلك لتهديدات الصيادلة بالإضراب، وتلويح شركات الصناعات الدوائية بوقف الاستيراد. علاوةً على ذلك، ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 35%، لكن الحكومة مستمرة في دعمها بنسبة 44%، ومن المتوقع أن تشهد الأسعار موجات ارتفاع أخرى لتخفيف العبء عن الخزانة العامة3. القطاع الوحيد الذي لا زال يقاوم الارتفاعات المتكررة هو قطاع التعليم العالي، فمن غير المقرَّر أن ترتفع رسوم الجامعات، عدا الجامعات الخاصة بالطبع، كما يأمل العاملون بوزارة التعليم العالي.

عجز الموازنة، الآفة الأخرى

ليس هناك أي مجال للتراخي فيما يخص تقليص العجز في الموازنة، الأزمة الأخرى التي تواجه الاقتصاد المصري، إذا ما كانت الحكومة ترغب في الوفاء بالتزاماتها بخفض العجز للوصول به من 12،1% من إجمالي الناتج المحلي في العام 2015- 20164 ، إلى 4،7% في العام المالي 20200-2021، وبالتالي تراجُع الدين العام من 95% إلى 788% من إجمالي الناتج المحلي في الفترة نفسها. لبلوغ ذلك الهدف، تتبنى الحكومة حزمة إجراءات تقشفية تتمثل في خفض الأجور وخفض دعم الطاقة والسلع التموينية، بالإضافة إلى رفع الضرائب. قد يثير تاريخ مصر المالي الشكوك حول وجود إرادة سياسية لـ“ضبط” الحسابات الحكومية، خاصة مع بلوغ معدل فائدة أذون الخزانة التي تطرحها الحكومة لأجَل ثلاثة أِشهر 19%. لكن، حتى لو كان الحاكم في أيامنا هذه أكثر أمانةً مما كان في الماضي، يظل باب الخروج من الأزمة ضيقًا. يجب على مصر بذل المزيد من الجهد حتى يتسنّى لها الحصول على العملة الصعبة، ليس بالتعويل على القروض الخارجية، ولكن على التصدير والسياحة وإيرادات قناة السويس.

كذلك لن يكون من السهل تقليص العجز في ميزان المعاملات الجارية، والذي تتراوح نسبته بين 6 و7% من إجمالي الناتج المحلي؛ حيث من المتوقع أن يظل العجز التجاري مرتفعًا حتى 2018-2020 على أقل تقدير. “إن عامل السعر ليس هو المتحكِّم الأكبر في عجز ميزان الحساب الجاري في الوقت الحالي. فالأزمة التي يمر بها قطاع السياحة، والذي كان يمثل 20% من إيرادات الدولة عام 2010، تؤول في أغلبها إلى أسباب أمنية، كما ستتأثر إيرادات قناة السويس (9% من إيرادات الدولة) بتقلبات التجارة العالمية العنيفة. ومن غير المتوقع أن يتوقف العجز المتزايد في قطاع الطاقة (3،6 مليار دولار في عام 2016، أي 20% من عجز ميزان المعاملات الجارية، في مقابل فائض يقدر بـ5 مليار دولار في عام 2010)، إلا بحلول عام 2018، مع دخول حقلي الغاز الطبيعي بـ”ظهر“ودلتا النيل” حيز الإنتاج، بحسب بسكال ديفو من بنك “بي ان بي باريبا”5.

تظل الثقة عملة نادرة في المجتمع المصري، حتى بين النخبة. فبعد انتعاشة لم تنقطع منذ صدور قرار التعويم في 3 نوفمبر، شهدت البورصة المصرية في 19 يناير/كانون الثاني الماضي “خميسًا أسود”، فقد خلاله المضاربون أكثر من مليار دولار في جلسة واحدة، تعيَّن انهاؤها سريعًا. مصر هي الدولة العربية الخامسة، مع المغرب وتونس والأردن والعراق، التي تبرم اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي في عام 2016 بقيمة تتعدى 21 مليار دولار، وهو ما يعد مؤشرًا إضافيًا على الأزمة التي تواجهها تلك البلدان بعد مضي ست سنوات على الربيع العربي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *